محمد خليل المرادي
169
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
النصر على شفير الخندق ، وهي أحد الدور العظام في الارتفاع والإحكام . وبشرقيها كان سور باب الأربعين قديما . وهذا كان أحد أبواب مدينة حلب ، ومحلّه عند مسجد الأربعين المعروف الآن بزاوية القرقلار « 1 » . يسكنها مشايخ الطريقة النوربخشية قدّس اللّه أسرارهم - وسيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان سبب تسمية باب الأربعين قديما ، وعدد أبواب حلب ، وما كانت عليه قديما . وذكر مشايخ هذه الطريقة العليّة - وشرقي دار المترجم أيضا العين المعروفة بالعونية يقصدها المرضى يوم السبت قبل طلوع الشمس يغتسلون بها ، ولها ذكر في الخواصات التي بحلب . ثم إنّ المترجم شرع في عمارة جامعه المعمور « 2 » لصيق داره أوائل سنة إحدى وأربعين ومائة وألف . فاشترى الدور التي كانت في محلّ الجامع من أهلها بالأثمان المضاعفة . وكان يقترض المال من التجّار أهل الخير والصلاح المعروفين بحلّ المال ، ويصرفه في عمارة الجامع ، ويوفيهم من ثمن حنطة كانت عنده ، إلى أن فرغ بناء الجامع ، وتمّ على أكمل الوجوه . ولمّا تمّ حفر أساس الجامع وحرّرت القبلة بتحرير العلّامة الشيخ جابر الحوراني الأصل ، والعلّامة الشيخ علي الميقاتي بأموي حلب ، نزل صاحب الترجمة بنفسه إلى الأساس واستدعى بطين فوضعه ووضع عليه حجرا ووضع بينهما صرّة صغيرة لا يدرى ما هي وصعد . وشرعوا في البناء بالأحجار الهرقلية الهائلة . وأبطل العمل شتاء إلى أن كمل سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف . ووضع فيه منبرا من الرخام الأصفر الفائق ، وفي صحنه حوضا من الرخام الأصفر طوله أربعة عشر ذراعا في مثلها . وفي شماله مصطبة مرخّمة بالرخام الأصفر بقدر الحوض . وبنى فيه إحدى وأربعين حجرة ، منها ثلاثون للمجاورين والباقي لأرباب الشعائر . وعين له خطيبا شكري محمد أفندي البكفلوني وهو أوّل خطيب خطب به لأنّه كان مرغوبا عند الأتراك التمطيط في الخطبة على عادة خطباء إسلامبول . وعيّن له مدرّسا تاتار أفندي العينتابي ، فاستقام أربعة أشهر ثم استعفى ، فنصب مكانه العلّامة محمود أفندي الأنطاكي ، وعيّن السيد محمد أفندي الكبيسي محدّثا وعيّن عبد الكريم أفندي الشرباتي واعظا عقب صلاة الجمعة « 3 » . وعيّن السيد عبد الفتاح الصباغ إمام الجهريّة ، والعلّامة الشيخ جابر إمام السريّة ، وعيّن له أربعة مؤذّنين ، وعيّن شعّالين وفرّاشين ، وقارئا يقرأ النعت ، وكنّاسين ، وعيّن لكلّ باب من أبوابه الثلاثة بوّابا .
--> ( 1 ) في محلّة الفرافرة ، فوق مغارة الأربعين ، ومن هنا اسمها التركي قرقلر . الآثار التاريخية في حلب 257 . ( 2 ) يعرف بالمدرسة الرضائية والعثمانية . انظر : نهر الذهب 2 / 123 - 134 . ( 3 ) استطرد المحقّق بعد ذلك مباشرة إلى ذكر الأذان بمصر وما فيه من الاختلاف ، نقله بتمامه من خطط القاهرة للمقريزي 2 / 123 - 134 ، والموضوع جديد وطريف ، فليراجعه من يشاء من مصدره .